دعوة للخروج من السيرك!

التصنيف: مقالات وآراء

ماذا تفعل حين تعيش فى سيرك كبير يتحكم فيه بهلوانات لا يُضحكوك بل يُبكوك؟! ماذا تفعل حين ترى أن أربع سنوات من عمرك تمت سرقتها وأنت عاجز أمام الظلم الذى يَطال كل من حولك، وأن أحلامك قد اصطدمت بصخرة من الجهل والفساد وسط تهليل وشماتة من خاطرت بحياتك من أجلهم وبعد أن رأيت شبابا فى عمر الزهور يسقطون من أجل لا شىء؟

ماذا إن لم تعُد منبهرًا بترويض الأسود والحركات الأكروباتية فى الهواء لا ترى لها داعى؟

أخرج من السيرك سريعا إن لم تستطع بنفسك وبأهلك، فبأفكارك حلِّق بعيدا فى الفضاء... فى التاريخ.. وفى المستقبل... اهجر الحاضر العفن حتى تحصل على أدوات من خارج صندوقه لتغييره.

لا تستسلم لقنوات تقسم شاشاتها إلى ٣٥ شاشة صغيرة من اللا شىء، تسلبك عقلك وتفكيرك ومنطقك وتعطيك عطبًا ويأسًا وقلة حيلة وفقرًا فى الخيال وعجزًا عن الإبداع. لا تعطِ من يقتاتون من الفتن شرعية ومصداقية بمشاهدتهم.

يوم جمعة الهوية وبعد أن دعى بعض منظميها إلى رفع المصاحف، سمعت الخطيب قبل الصلاة يقارن دعاة رفع المصاحف بالخوارج، وعندما نقلت ما قاله الخطيب إلى صديق لى أكد أن الخطيب فى مسجده ردد نفس الكلام. ليس عندى شك أن أغلبهم ردد نفس الخطاب يومها، ولا عندى تحفظات على التشبيه فقد جلبوه لأنفسهم! ولكننى أتحفظ على ترديدهم نفس الكلام فى منابر مختلفة وعلى استهلاك تحليل سطحى من أجل مواكبة المناخ العام والتعبئة الزائفة.

الشيخ الخطيب ليس نبيًّا وكلامه ليس منزّلًا، لذا فإن أصابنى بنفس عطب الإعلام فسأتركه وأخرج وأدعوكم أن تفعلوا نفس الشىء!

لا تُضِع حياتك أسيرًا لواقع افتراضى يتقاذفك بين أخبار هامشية ويُبعدك عن الأفكار والتحليل والتدقيق.. فلان سب فلانًا وفلانة تعرَّت أمام الكاميرات. «العقول العظيمة تناقش الأفكار. العقول المتوسطة تناقش الأحداث. أما العقول الصغيرة فتناقش الأشخاص»، مقولة إلينور روزفلت، (زوجة الرئيس الأمريكى فرانكلين روزفلت الأسبق وناشطة حقوقية وكاتبة ١٨٨٤-١٩٦٢).

الهجرة فى الإسلام لم تكن لجاه أو لمال بل كانت هجرة بالرسالة وبالأفكار، لتجد لنفسها تربة خصبة تنمو فيها حتى ترجع أشد مما كانت فى مواجهة الجمود والكبر.

الهجرة فى أى رسالة سُنة. عندما وجد البروتستانت أنفسهم مضطهدين فى أوروبا بسبب أفكارهم المخالفة للفاتيكان والحكام الكاثوليك، هاجروا، وحملت سفينة الماى فلاور ما لا يزيد على ١٢٠ منهم إلى العالم الجديد فكانوا نواة لأقوى حضارة معاصرة.

الحرب سجال وكذلك الثورة جولات. كن جاهزًا قبل الجولة القادمة. ابن مجتمعك الذى تريده داخلك أولا. لا نريد أن نهجر سيركا إلى مهرجان لا نعرف أوله من آخره.

اخرج إلى الطبيعة، فنحن فى القاهرة لا نشاهد السماء أو النجوم.... لم يُخلق الإنسان ليستنشق العادم ويضيع نصف عمره فى المواصلات. كيف يمكن لإنسان أن يبحث عن الحق والخير إن كان يضيع نصف عمره وسط الزحام والسباب والنصف الآخر أمام شاشات يتبارى فيها السبابون ويتطاولون على خلق الله بسبب ودون سبب؟!

إن لم تكن بلاد الله واسعة فمصر واسعة، وهناك أجزاء من سيناء ما زالت آمنة وهناك محافظات البحر الأحمر التى لم يتم تقسيمها بعد.

نشر صديقى محمود سالم (ساند مانكى) مقالا من سنتين بعنوان «اتحرك». يدعوا فيه إلى التحرك خارج حدود المدينة واستكشاف المناطق التى تجاهلتها السلطات فى مصر عبر العقود الأخيرة. وأنا أضم صوتى له هنا ولكننى أتفهم إن لم يستطِع بعضنا أو أغلبنا فعل ذلك لوظيفة تربطهم بالمكان، فأدعوهم أن يخرجوا من السيرك بعقولهم وأفكارهم أولا.

انظر إلى تاريخ الفكر الإنسانى من ديكارت وتأسيسه لمذهب العقلانية فى القرن السابع عشر «إننى أفكر إذن فأنا موجود» إلى روسو وكانت وهيجل ثم نيتشه ثم الفلسفة الوجودية من سارتر إلى كامو. استمع إلى عظمة تشايكوفسكى فى بحيرة البجع أو إلى فالسات يوهان ستراوس. انظر إلى عظمة معرفة العقاد وطه حسين وتنوعه ودليله أننا كنا فى يوم على وشك أن نبدأ صحوة حقيقية فى كل المجالات، ولكن تمت سرقتها. شاهد مسرحيات وعروضًا فنية. تبنَ ما يوافق أفكارك وألفظ الباقى.

أهجر بعقلك وأفكارك السيرك قبل أى شىء.

أترك لهم سِيركهم يرعون فيه حتى يجدوا أنفسهم دون مشاهدين.

الأطفال هم أول من سيهجر السيرك فهم وسط البشر أكثر من يكشف زيف البهلوان إن لم يكن صادقًا

وللثورة جولة أخرى.

 يحيي الجمال

التحرير