عن هانى الجمل والرفاق

التصنيف: مقالات وآراء

لم أكن أحضر محاكمات حتى بدأت فى متابعة جلسات قضية مجلس الشورى، حيث ٢٥ من رفاق الثورة (من بينهم زميلى فى انتخابات حزب الدستور المهندس هانى الجمل) يحاكَمون بتهم قطع الطريق واستخدام القوة والعنف والتعدى على موظف عام فى أثناء تأدية عمله وخرق قانون التظاهر وسرقة لاسلكى!

كل ما فعلوه هو أنهم ذهبوا أمام لجنة الخمسين المنعقدة فى مجلس الشورى لوضع الدستور منذ عام، وبالتحديد يوم ٢٦ نوفمبر، ليرفعوا طلبًا بإلغاء مادة المحاكمات العسكرية للمدنيين، وكان قانون التظاهر غير الدستورى قد صدر قبلها بيوم، فتم تطبيقه عليهم حتى دون الالتزام بتوفير ممر آمن للمتظاهرين للخروج، كما ينص القانون نفسه.

خلال جلسة يوم الخميس الماضى تتابع شهود الإثبات واحدًا تلو الآخر يحلفون اليمين أمام القاضى والله العظيم أقول الحق . وتتابعت أسئلة الدفاع: هل شاهدت واقعة الاعتداء على فلان الفلانى والاستيلاء على اللاسلكى الخاص به؟ ، فيجيب الشاهد: يتم الرجوع إلى أقوالى أمام النيابة . ثم يُسأل شاهد آخر: هل كان علاء عبد الفتاح يحمل أشياء للاعتداء بها على أفراد الأمن؟ ، فتكون الإجابة: مش متذكر .

أكثر جملتين ترددتا هما: أنا مش متذكر ، و يُرجى الرجوع إلى تحقيقات النيابة . حتى إن القاضى قال لأحد الشهود: ما تقولش مش متذكر، ممكن تقول متمسك بأقوالى . وعندما سأل نفس الشاهد إن كان يعرف علاء عبد الفتاح، كانت الإجابة: متمسك بأقوالى ، فارتجت قاعة المحكمة كلها بالضحك!

يبدو أن النسيان أصبح سمة غالبة فى المجتمع وبالأخص وسط شرائح معينة فى المجتمع. تلك التى تريد أن تطمس تاريخ السنوات الأربع الماضية وتبدله بواقع افتراضى لا يمت بصلة إلى الأحداث الحقيقية والأشخاص الذين شاركوا فى هذه الأحداث.

ولكن دعونا نتذكر نحن لعلنا نكون سببًا فى الإفاقة من هذا السبات العميق.

عرفت هانى الجمل من خلال انتخابات حزب الدستور العام الماضى، حيث كنّا على قائمة واحدة مع الأستاذة جميلة إسماعيل، فقمنا بعمل جولات سويا فى بعض المحافظات وتقابلنا مع الأعضاء فى الأقاليم. كانت تجربة فريدة وشاقة، حيث لم تجرِ العادة أن تقوم انتخابات كهذه فى أية أحزاب قبل ذلك. عكفت مع هانى على وضع برنامج يوفى أحلام أعضاء الحزب حقها، ويكون فى نفس الوقت واقعيا.

كنا نتناوب على المحافظات أحيانا، وأحيانا أخرى نحضر نفس المؤتمر ونتفاعل مع زملائنا ونستمع إلى طموحاتهم ونطرح عليهم أفكارنا.

هانى، مهندس اتصالات شاب تخرج فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام ١٩٩٧، ثم سافر إلى الولايات المتحدة وحصل على ماجستير فى الاتصالات من جامعة ميريلاند، ويعمل استشارى إدارة لشركات عالمية، وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال أصغرهم عبد الله عمره عامان فقط، وهو له نظرية فى التربية الحديثة التى يتبعها مع أولاده ويحاضر فيها، وتعتمد على تنمية مهارات الأطفال منذ الصغر فى المجال الذى ينبغون فيه بحيث يتفوقون عمليا فى هذا المجال.

عندما تم القبض عليهم مرة أخرى وخلطهم بالمسجونين على ذمة قضايا جنائية، وخلال أول زيارة له من زوجته، لم يتذمر هانى من هذا الإجراء قدر قلقه من المعاملة السيئة التى يتعرض لها هؤلاء المسجونون!

عندما تمكنت من زيارته بعد الجلسة الأخيرة يوم الخميس ٤ ديسمبر، سألنى عن الأحوال خارج السجن، ولم يكن يعلم أن يوم مظاهرة ٢٩ نوفمبر فى عبد المنعم رياض وقع ثلاثة شهداء. وعندما حكيت له أبدى تأثره وقلقه على الشباب، رغم الهم الكبير الذى يعيش فيه وهو لا يعلم مصيره أو مصير زملائه.

هذا هو هانى الجمل، فتذكروه هو ورفاقه محمد عبد الرحمن (نوبى)، وعلاء، ومصطفى يسرى، والدكتور يحيى عبد الشافى (طبيب المستشفيات الميدانية خلال جميع أحداث الثورة)، وابنه محمود، وياسين ومحمد حسام (كالوشا).

هؤلاء وغيرهم من الثوار المعتقلين لم يُجرموا. كل ما فعلوه هو أنهم انقادوا وراء حلمهم ببلد يحترم كرامة أبنائه. منهم من رأى تجربة ناجحة فى الخارج فأراد أن ينقلها فلم يلاقِ إلا العوائق والاستهجان ورفض التغيير، ومنهم من ضحى بفرص عمل فى الخارج ليعانى الأمرّين خلال السنوات الأربع الماضية ويجد نفسه فى النهاية وراء القضبان بتهم باطلة ورأى عام يوجه لتخوينه.

تذكروهم وذكِّروا الناس بهم وبأخلاقهم إن كان الشهود قد نسوا.

مكان هؤلاء وباقى الأحرار ليس فى السجون.

يحيى الجمال
التحرير